محمد جواد مغنية
608
في ظلال الصحيفة السجادية
الفاسق ، والظّالم يستدعي السّكوت عن الحقّ ، والمعروف ، وتجاهل الباطل ، والمنكر ، وبه يذهب من دين السّائل أكثر مما ينال من دنيا المسؤول ، وقول الإمام : صن ديني . . . واضح في هذا المعنى ، وكم قرأنا عن أهل اللّه كيف فروا بدينهم من أهل المال ، والسّلطان . وقد تقدّم في الدّعاء العشرين . وفيما روى الرّواة أنّ اثنين من العلماء كانا في عهد الأمويين ، وكان أحدهما يسكت عن الحقّ ، ويماليء الظّلمة ، ويركن إليهم لأنّه يقبل عطاياهم ، والآخر يرفضها ، وينطق بالحقّ ، ويجبههم به غير هياب . وفي ذات يوم التقى الحاكم بالنزيه المخلص ، فقال له : أدع لنا ، فقال : كيف أدع لكم ، والألوف تدعوا عليكم ؟ أيستجاب لواحد ، ولا يستجاب للكثرة الكاثرة ؟ فقال الجائر : ولماذا خلق اللّه الذّباب ؟ قال : ليذل به الجبابرة . قال الحاكم الظّالم : فأين رحمة اللّه ؟ قال : هي للمحسنين لا للمسيئين « 1 » . وهكذا كلّ من تجرد عن الأهواء ، والأغراض ينطق بالحقّ ، ولا يخشى في اللّه لومة لائم ، أمّا المرتزقة فيعبثون بدين اللّه ، ويحللون حرامه بالتأويل ، والتّعليل . ( ولا تجعلني للظّالمين ظهيرا ) انظر شرح الدّعاء الرّابع عشر فقرة الظّالم كافر
--> ( 1 ) قال أحمد بن عمرو بن المقدام الرّازي : وقع الذّباب على وجه المنصور فذبّه فعاد فذبّه فعاد حتّى أضجره ، وكان عنده جعفر بن محمّد عليه السّلام في ذلك الوقت ، فقال المنصور : يا أبا عبد اللّه لأيّ شيء خلق اللّه عزّ وجلّ الذّباب ؟ قال : ليذلّ به الجبابرة ، فسكت المنصور . انظر تأريخ دمشق : 60 / 13 ، تهذيب الكمال : 5 / 93 و : 28 / 439 ، سير أعلام النّبلاء : 6 / 264 و : 7 / 202 ، المناقب لابن شهرآشوب : 3 / 375 ، و : 4 / 251 طبعة أخرى ، علل الشّرايع : 2 / 496 ح 1 ، كشف الغمّة : 2 / 158 ، حلية الأولياء لأبي نعيم الإصبهاني : 3 / 198 ، مطالب السّؤول : 82 ، نور الأبصار : 299 ، أخبار الدّول وآثار الأوّل للقرماني : 112 ، المختار في مناقب الأخبار : 17 ، تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي : 353 ، الأنوار القدسية للسنهوتي : 38 .